سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
176
الإكسير في علم التفسير
الصنف الأول : في الالتفات ، وهو الرجوع عن أسلوب من أساليب الكلام إلى غيره ، ومن فوائده : تطرية سمع السامع وإيقاظه للإصغاء ، فإن اختلاف الأساليب أجدر بذلك من الأسلوب الواحد . وهو ثلاثة أضرب : الأول : الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وعكسه . ومن أمثلته قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ « 1 » هذا أسلوب غيبة ثم التفت عنه بقوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إلى أسلوب خطاب ، إلى قوله « أنعمت » ثم التفت إلى الغيبة بقوله « غير المغضوب عليهم » ولم يقل : الذين غضبت ، كما قال : « أنعمت عليهم ، لأن ذكر النعمة موضوع التقرب إلى الرب بذكر نعمه ، فكان إسناده إليه بتاء المخاطب أبلغ في ذلك ، بخلاف ذكر الغضب « 2 » . ونظيره قول إبراهيم عليه السلام : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ « 3 » فأضاف هذه النعم إلى ربه تعالى ، ثم قال : وَإِذا مَرِضْتُ فأضافه إلى نفسه لفظا ؛ تأدبا ؛ إذ الأدب يقتضي أنك لا تضيف إلى المنعم عليك حال ذكر نعمه إلا النعم ، لا المكروهات ، فلا تقول الملك في سياق ذلك « أنت الذي أعطيتني ، ورفعت قدري ، وحبستني أو ضربتني ؛ لأن الأول يقتضي شكره ، والثاني يقتضي ذمّه ، والشكاية والتضجر منه » وهما متناقضان وقد استعمل اللّه تعالى هذا الأدب مع خلقه في حديث « إني حرمت الظلم على نفسي ، يا عبادي . . لو أن أوّلكم وآخركم ، وإنسكم وجنّكم جاءوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي » « 4 » ، ولما ذكر ضد ذلك ، قال : « جاءوا على أفجر قلب رجل واحد ، ولم يقل « منكم » كل ذلك من محاسن الآداب والتلطف .
--> ( 1 ) سورة الفاتحة 1 - 3 . ( 2 ) انظر المحتسب لا بن جني 1 / 146 . ( 3 ) سورة الشعراء آية 78 ، 79 . ( 4 ) رواه عبد اللّه بن عبد الرحمن بن بهرام الدارمي . عن أبي ذر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو حديث قدسي طويل اختصره المؤلف . انظر الأحاديث القدسية 1 / 264 ط المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية .